الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
22
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
التَّوَّابُ أي المتجاوز لمن تاب الرَّحِيمُ ( 54 ) على من مات على التوبة . وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وذلك لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه ، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل حرق العجل وألقاه في البحر ، واختار من قومه سبعين رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا كلامه . فسأل موسى عليه السلام ذلك ، فأجابه اللّه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام ، وتغشى الجبل كله ، ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه ، فقال للقوم : ادخلوا . وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام اللّه مع موسى عليه السلام يقول له : « افعل كذا ، ولا تفعل كذا » . فلما تمّ الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه . فقال القوم بعد ذلك : لا نصدق لك بأن ما نسمعه كلام اللّه حتى نرى اللّه معاينة ، فأحرقتهم نار من السماء وماتوا جميعا ، وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي منهم واحد فما الذي يقولون ؟ ! فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى ردّ اللّه أرواحهم وبطلت توبة بني إسرائيل من عبادة العجل . فقال : لا أقبل إلا أن يقتلوا أنفسهم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) إلى النار الواقعة من السماء ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ أي ثم أحييناكم بعد حرقكم بالنار وبعد موتكم يوما وليلة وذلك لإظهار آثار القدرة ، وليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بانقضاء آجالهم لم يحيوا إلى يوم القيامة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) أي لكي تشكروا إحيائي وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ أي جعلنا السحاب الرقيق يظلكم من حر الشمس أي وكان يسير بسيرهم وكانوا يسيرون ليلا ونهارا ، وينزل عليهم بالليل عمود من نور يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى - وذلك في التيه - وهو واد بين الشام ومصر ، وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى الخروج منه ، وسبب ذلك مخالفتهم أمر اللّه تعالى بقتال الجبارين الذين كانوا بالشام حيث امتنعوا من القتال . وَأَنْزَلْنا في التيه عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وهو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار ، طعمه كالشهد . وكان يقع على أشجارهم من الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع . وَالسَّلْوى فكان كل واحد منهم يأخذ ما يكفيه يوما وليلة ، وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت ، « والسلوى » وهو طائر ليس له ذنب ولا يطير إلا قليلا ويموت إذا سمع صوت الرعد ، كما أن « الخطاف » يقتله البرد فيلهمه اللّه أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد ، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض . وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية . كُلُوا أي وقلنا لهم : كلوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي من مستلذات ما رزقناكموه ولا تدخروا لغد فادخروا فقطع اللّه ذلك عنهم ودوّد ما ادّخروه . وَما ظَلَمُونا أي وما نقصونا بما